تتمتع المملكة العربية السعودية بالعديد من الجوانب الثقافية التي تميزها عن غيرها من سائر الدول. وتعد الثقافة الدينية أحد المكونات التي تميز هويتها. فهي تحتضن الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة، تلك المدينتان المقدستان لدى المسلمين، حيث يقصدها سنويًا الملايين من مختلف أنحاء العالم لأداء الفرائض والعبادات.
وتحتل المدينة المنورة مكانة خاصة في نفوس زائريها لكونها المدينة التي هاجر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وعاش فيها بقية حياته. وهي أول عاصمة في الإسلام وثاني أقدس الأماكن للمسلمين بعد مكة المكرمة. لذا فهي أحد الأماكن التي تشد إليها الرحال قاصدين زيارة المسجد النبوي الشريف.
تقع المدينة المنورة في غرب المملكة في جبال الحجاز وهي مدينة ذات جذور تاريخية سبقت ظهور الإسلام. وسميت المدينة المنورة بأسماء عديدة ومن أشهرها طيبة، وطابة، ويثرب.
السكينة والهدوء في المدينة ..
وللوصول إلى المدينة استقلت قطار الحرمين السريع من جدة إلى المدينة في رحلة مدتها ساعة وأربعون دقيقة، قاطعًا مسافة 400 كيلو متر. وما إن وصلت المسجد النبوي الشريف استوقفتني تلك المشاعر العميقة بالروحانية والسكينة والطمأنينة. ذلك الشعور الذي يخالج القلب في كل زيارة. ورغم كثافة الزوار والازدحام الذي تشهده المنطقة المحيطة بالحرم، فإن المدينة المنورة تحتفظ بقدرتها العجيبة على بث الطمأنينة في نفوس قاصديها. فلا يكاد الزائر يشعر بالضجيج بقدر ما يشعر بحالة من الهدوء الداخلي. بينما يستقبلهم العاملون في المسجد النبوي ومرافقه وساحاته. وكذلك المحلات المجاورة له بابتسامة وترحيب يعكسان كرم أهله وحسن ضيافتهم.



ومنذ أن تقع عيناك على مآذن المسجد النبوي، وتصدح الأصوات بالأذان، ويحين وقت الصلاة، تغلق المحلات التجارية أبوابها، ويخرج الناس من مساكنهم، متجهين في خطوات هادئة نحو المسجد، في مشهد يتكرر خمس مرات كل يوم، لكنه لا يفقد عمق أثره في النفس وما أجمل أن تقف متأملًا الوجوه القادمة من شتى أنحاء العالم، وقد جمعتها هذه البقعة المباركة، فترى من يبتسم فرحًا، ومنهم من يبكي في خشوع وابتهال.









تتميز المدينة أيضًا بتنوعها الثقافي والإنساني الغني. حيث تختلط الثقافة المحلية في المدينة بثقافات أخرى من جميع دول العالم وكل ثقافة تحافظ على هويتها. فيحافظ كل زائر على هويته ولغته وعاداته. غير أن ما يجمع الجميع هنا هو الانتماء للإسلام، والغاية من زيارة هذه المدينة المباركة لأداء العبادات، والتقرب إلى الله.











المدينة المنورة في الشتاء..
يتميز مناخ المدينة بارتفاع درجة الحرارة صيفًا وانخفاضها شتاءً. ويعد فصل الشتاء في المدينة المنورة من أفضل الأوقات للزيارة ففي عدد من أيامه تهطل الأمطار، فتمنحها أجواء مختلفة تزيدها بهاءً وجمالا. ومع انهماره على ساحات المسجد النبوي ومآذنه، تمتزج برودة الأجواء بروحانية المكان، فيزداد الإحساس بالسكينة والخشوع. وتنعكس الأضواء على المياه في مشهد يضفي على المكان جمالًا استثنائيًا.









عمارة المسجد النبوي الشريف
يعد المسجد النبوي الشريف أحد أبرز الشواهد المعمارية في التاريخ الإسلامي. فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بناءه في السنة الأولى للهجرة 622م. قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان. وازدهر عبر التاريخ ومر بالعديد من المراحل البنائية. حيث ظل عبر العصور يحظى بعناية واهتمام الخلفاء المسلمين والدول الإسلامية المتعاقبة. وتعكس عمارته اليوم رحلة ممتدة من التطور والتوسعات التي شهدها عبر التاريخ، فتجد لكل عصر شاهدًا يشهد على مراحل مختلفة من العناية بهذا المسجد المبارك.
وبلغت العناية بالحرم النبوي الشريف مراحلها الأوسع في العهد السعودي. حيث ولت الحكومة السعودية اهتمام بالغ بالمسجد النبوي وبتطويره وتوسعاته الكبيرة من خلال مشاريع تطويرية متتابعة في عهد جميع ملوكها وكانت أعظمها في عهد الملك فهد والملك عبد الله طيب الله ثراهما. حيث وصلت الطاقة الاستيعابية إلى مليوني مصلِ. كما ركزت على البنية التحتية وعلى جماليات المسجد الخارجية والخدمات المقدمة لزواره.



ومن أبرز المعالم المعمارية الحديثة في المسجد النبوي تلك المظلات التي أمر الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله ببنائها لتظليل ساحات المسجد لحماية المصلين من حرارة الشمس. ووصل عددها إلى 250 مظلة. وقد زودت بأنظمة متطورة تحتوي على نظام لرش رذاذ الماء للتبريد في الصيف وأنظمة تكييف. وتصريف لمياه الأمطار وكذلك نظام إضاءة ليلي وتقنيات أخرى حديثة تهم في توفير بيئة مريحة للمصلين على مدار العام.
وفي عهد الملك سلمان، وولي عهده الأمين سمو الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، ما زالت التطورات في المسجد النبوي مستمرة. بل شمل التطوير نهضة كبيرة لأرجاء المدينة المنورة وإبراز لمعالمها وتاريخها وإعادة إحياءها وترميم مبانيها وبيوتها وأسواقها القديمة. وإنشاء المتاحف والوجهات الثقافية. وأنسنة طرقاتها. وربط المعالم التاريخية بشبكات المشاة ووسائل النقل الحديثة، مما يحقق تجربة أكثر ثراءً للزوار وفي الوقت نفسه يحافظ على الهوية التاريخية للمدينة. وعند زيارتك تلاحظ الأعمال التطويرية القائمة على قدم وساق.






ورغم اتساع العمران الحديث حول المسجد النبوي، حافظت المباني والفنادق المحيطة بالحرم على الطابع المعماري الحجازي، لخلق انسجام بصري يدمج بين الماضي والحاضر. ولمن يرغب في التعمق المعرفي لتاريخ المسجد النبوي ومراحله العمرانية المختلفة، يعد معرض عمارة المسجد النبوي وجهة ثقافية مميزة، حيث يقدم معلومات موثقة عن تطوره عبر العصور ويعرض مجسمات ونماذج تحاكيه، ووثائق وصور تسلط الضوء على تاريخه.
عمارة الأحياء القديمة.. حي المغيسلة
يعد حي المغيسلة من الأحياء القديمة التي تحولت إلى معلم تاريخي سياحي يجمع بين أصالة الماضي والحياة المعاصرة. حيث ترممت بيوته القديمة بدقة وعناية للحفاظ على سماته ومعالمه التاريخية. وتم تحويلها إلى نزل ضيافة بطابع تقليدي قديم ومقاهي ومطاعم تقدم الأطعمة التقليدية التي تحاكي الماضي. مما يتيح للزائر أن يعيش جانبًا من تاريخ الحياة المدينية.
ويعود تاريخ الحي إلى بدايات العهد الإسلامي، إذا عُرف في بداية الهجرة النبوية بحي بني دينار فسكنه الخزرج من الأنصار. وذكر هذا الحي في عدد من المراجع العربية القديمة قبل ما يقارب 800 عام فذكره الفيروز آبادي في كتابه المغانم المطابة في معالم طابة 729هـ. ومبانيه الحالية يزيد عمرها عن المائة عام.



مجموعة صور لمقهى رو ROW



مقهى ومخبز تقميرة والذي يقدم الشاي بالنباتات العطرية من مزارع المدينة ومخبوزات تقليدية مثل الفتوت والشريك





قامت العمارة التقليدية في المدينة المنورة على ما يسمى بالثالوث المديني. فتعمر المباني من بيوت ومساجد ودكاكين وحمامات، من ثلاثة مواد رئيسة وهي حجر الحرِّة الموجود بجبال المدينة. وخشب النخيل المستخدم للنوافذ والأبواب. والتربة الطينية التي شكلت المادة الأساسية للبناء. فكانوا يبنون مما تجود به الطبيعة من حولهم.
ولا تقتصر زيارة حي المغيسلة على التجول بين مبانيه التاريخية، بل يمكن أن تعيش تجربة السكن في أحد البيوت القديمة التي عاشت فيها أجيال سابقة من أهل المدينة. فيقدم فندق آنارات البوتيكي تجربة ثقافية تاريخية للعيش في منزل يزيد عمره عن المائة والعشرين عامًا. محافظًا على عناصره المعمارية الأصيلة.



وأما نزل خان عطرة فهو بيت قديم كان يسمى باسم حوش العِرس لإقامة الأفراح والمناسبات الاجتماعية فيه. وتم استثماره ليكون مقهى وفندق لتجربة السكن التقليدية في أجواء تستحضر ذاكرة المكان وتاريخه الاجتماعي. وتقدم لك المقاهي حول هذه النزل تجربة شرب الشاي بالنباتات العطرية المزروعة في المدينة كالنعناع والعطرة والورد المديني. لتصبح الزيارة رحلة تجمع بين العمارة والتراث والحياة الاجتماعية في آنٍ واحد.



وإذا اردت أن تعيش تجربة ذات عمق تاريخي. فلا تكتف بالتجول بين معالمها. بل إن القراءة التثقيفية عن التاريخ ومعرفة أحداث الغزوات والمعارك وزيارة المواقع الإسلامية. والمقابر التاريخية. تضفي على كل مكان معنى مختلف. وتجعل الزيارة أكثر إثراءً. ويمكن أن تستعين بمرشد سياحي متخصص يرافقك في رحلتك ويحكي لك الروايات المختلفة التي حدثت في كل بقاع المدينة.
ختامًا:
يقدم هذا المقال تعريفًا عامًا للمدينة المنورة وما تتميز بها من مكانة وروحانية في نفوس زائريها. وجوانب من عمارتها وأحيائها القديمة. ولمحة من الحياة الاجتماعية فيها. إلا أن المدينة لا يمكن اختزالها في مقال واحد لأنها تزخر بتاريخها، وتتميز بمزارعها، وآبارها، وعمارتها، وأسواقها، وقصصها التاريخية التي امتدت عبر أكثر من 1400 عام. لذا سيتبع هذا المقال مقالات أخرى تركز على جوانب متعددة تميزت بها طيبة في محاولة لاستكشاف ثراءها الحضاري من زوايا مختلفة.
جميع الصور الواردة في المقال تم التقاطها من قبل الكاتبة فاطمه المجايشي خلال زيارات ميدانية عديدة للمدينة المنورة. وصور الفنادق تم استيرادها من موقع Booking
المراجع:
www.booking.com
