الحلي التقليدية في المملكة العربية السعودية

تعد الحلي أحد الأجزاء المكونة للباس المرأة التقليدي في الماضي بمناطق المملكة العربية السعودية المختلفة. ولم تستغني المرأة عن ارتدائها أبدًا، بل كانت جزءا من هويتها وانتمائها. وتعد الحلي أحد الرموز الثقافية التي ميزت المرأة في المملكة. فالمرأة ترتدي الحلي للتعبير عن هويتها. ولتعكس الأسلوب المعيشي العريق للقبيلة أو المنطقة التي تنتمي لها. وتكشف جانبًا من نمط حياتها ومكانتها الاجتماعية. ولذلك حرصت المرأة على إبراز حليها بشكل واضح. فكانت ترتديها بكميات وأوزان كبيرة، وتحب أن تظهر زينتها، فتلبس معظم ما تملكه من قطع بطريقة ظاهرة للعيان، حتى إن بعض الحلي الثقيلة ترتديها أثناء أعمالها اليومية كالزراعة والرعي وحرث الأرض. أما القطع الأكثر قيمة فتخصصها للمناسبات والأفراح. كانت المرأة إذا تحركت ومع كثرة ما ترتديه من حلي أصدرت هذه القطع أصواتًا مميزة، حتى تغنى الشعراء بذلك في ملاعبهم (أي ما كان يتم ترديده أثناء رقصهم في المناسبات): وهي قصيدة متداولة في ملاعب قبيلة بني هلال في محافظة الليث.

 والعب يا ذو الحلي واسمع جليله 
يا عسى حارسك يغدي غليله

ولم تكن الحلي تؤدي وظيفة الزينة فقط، بل حملت دلالات اجتماعية أيضًا، فبعض أنواعها ارتبطت بالمرأة المتزوجة، بينما خصصت أنواع أخرى للفتيات غير المتزوجات، مما جعلها وسيلة للتعبير عن الحالة الاجتماعية إلى جانب كونها عنصرًا أساسيًا من عناصر اللباس التقليدي.

الاختلافات بين الحلي في مناطق المملكة

تتشابه الحلي في جميع مناطق المملكة من خلال أساليب صناعتها والمواد المستخدمة فيها، وكذلك المواد المصنوعة منها. كما وجدت الاختلافات التي تميز كل منطقة وقبيلة عن الأخرى. سواء كانت هذه الاختلافات في الأنواع المستخدمة من الحلي، والتصميم، وفي كثافة ما ترتديه المرأة. فالنساء في بادية نجد ارتدين الحلي بكميات قليلة عكست بساطة الحياة البدوية. على النقيض تمامًا مما هو في مدن الحجاز كمكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، حيث تميزت الحلي في هذا المدن باستخدام المواد الثمينة كاللؤلؤ الطبيعي والألماس والذهب، والتفنن في التصاميم الدقيقة والأعداد المكررة. مما عكس حياة التمدن والترف والثراء. واما نساء القبائل الحجازية في القرى كقبيلة حرب هذيل وثقيف وبني مالك وبني سعد وفهم وغيرهم من القبائل الأخرى، اعتمدت المرأة على الفضة كمعدن أساسي لحليها، مع استخدام بعض الأنواع من الأحجار كالكهرمان والظفار. وارتدتها بكميات وأحجام كبيرة جدًا. كما أضافت لهذه الحلي عملات الفضة المعدنية. وكذلك في المناطق الجنوبية كعسير والباحة ونجران، اعتمدت المرأة على معدن الفضة مع وجود اختلافات في القطع التي ارتدتها وأساليب صياغتها. توضح الصورة في الأسفل الحلي التي ترتديها سيدة من قبيلة حجازية من وادي مقسى تم تصويرها من تيري موجيه عام 1980م.

صورة التقطها تيري موجيه عام 1980م لسيدة من قبيلة حجازية ترتدي مجموعة من حلي الفضة في وادي مقسى التابع لمنطقة مكة المكرمة
صورة التقطها تيري موجيه عام 1980م لسيدة من قبيلة حجازية ترتدي مجموعة من حلي الفضة في وادي مقسى التابع لمنطقة مكة المكرمة
صورة التقطها تيري موجيه عام 1980م لسيدة من قبيلة حجازية ترتدي مجموعة من حلي الفضة في وادي مقسى التابع لمنطقة مكة المكرمة

أنواع الحلي التقليدية

تنوعت الحلي التي ارتدتها المرأة لتشمل معظم أجزاء الجسم، فمنها حلي الرأس، والرقبة، والأذن، والذراع، والكف، والأصابع، والساق، مثل الحجول والخلاخيل، كما زينت الرقبة بطبقات متعددة من العقود والحلي، واستخدمت بعض الأنواع من السلاسل والنقود المعدنية من الذهب وأضافتها كأزارير مع السديري. توضح الصورة في الأسفل الأزارير التي كانت ترتديها جدتي أطال الله بعمرها مع السديري.

أزرار من الذهب لجدتي استخدمتها كأزرار زخرفية للسديري النسائي ترتبط بسلسلة ويتدلى منها تصميم سمكة، أحتفظت بها العائلة منذ عقود، تصوير: فاطمه المجايشي.
مجموعة من حلي الفضة التقليدية في متحف عبدالرؤوف خليل. تصوير: فاطمه المجايشي

العمق التاريخي للحلي التقليدية

يمتد تاريخ الحلي التقليدية في الجزيرة العربية إلى قرون طويلة، بل إن بعض أنواعها ذكرت في الأشعار الجاهلية. كما أن عددًا من أنواع الحلي التي عرفت في الجزيرة العربية وجدت أيضًا في بعض البلدان الإسلامية الأخرى مع احتفاظها بتصميمها الأساسي، رغم اختلاف البلدان وبعد المسافات.

ففي زيارة قمت بها لبينالي الفنون الإسلامية المقام في جدة عام 2025، لفت انتباهي أحد الأقراط الذي عُثر عليه في مقبرة دي لوس موروس بطليطلة إسبانيا. وتم جلب هذه القطعة من المتحف الوطني للآثار بإسبانيا لعرضها في البينالي. ويعد المتحف مؤسسة لحفظ الآثار والمقتنيات التاريخية. ويبرز تأثير الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس من خلال مجموعته الواسعة من أعمال الفن الإسلامي. ويتشابه القرط مع الأخراص التقليدية للقبائل الحجازية التي يرتدينها النساء في المحافظات التابعة لمنطقة مكة المكرمة كمحافظة الليث في التصميم والشكل. والتي وجدتها ووثقتها أثناء دراستي الميدانية. كما يتشابه مع خرص موجود مضاف له معلاق وهي قطعة فضية تتدلى منه وجدته أثناء زيارتي لمتحف عبد الرؤوف خليل في الجناح السعودي بجدة. ويختلف في المادة المصنوعة منه، ففي المملكة صنع من معدن الفضة أما الموجود في معرض البينالي فهو من الذهب.

خرص من الفضة (أقراط للأذن) وجدتها أثناء التوثيق الميداني للأزياء والحلي التقليدية في محافظة الليث. تصوير: فاطمه المجايشي
خرص من الذهب (أقراط للأذن) وجدتها أثناء زيارتي لبينالي الفنون الإسلامية. تصوير: فاطمه المجايشي
خرص من الفضة (أقراط للأذن) وجدتها أثناء زيارتي لمتحف عبدالرؤوف خليل. تصوير: فاطمه المجايشي

ويعكس هذا التشابه الامتداد التاريخي للحضارة العربية والإسلامية، وانتقال كثير من عناصرها الثقافية، ومنها الحلي التقليدية إلى مناطق مختلفة. وما زالت النساء، إلى وقت قريب، يرتدين عددًا من هذه الحلي، كما لا تزال بعض من القطع محفوظة في المتاحف السعودية، أو معروضة لدى بائعي الحلي في الأسواق القديمة، مثل سوق البلد في جدة. وتدل هذه الاستمرارية على تمسك المجتمع بعاداته الملبسية، وحرصه على حفظها وصونها، إذ لم تكن الحلي مجرد قطعة للزينة، وإنما هوية تتوارثها الأسر جيلاً بعد جيل، ولا تباع غالبًا إلا عند الحاجة.

صياغة الحلي

عرفت مهنة الصياغة في المملكة. حيث كان في كل منطقة عدد من الصاغة المشهورين الذين استخدموا أساليب مختلفة لصياغة الحلي. وغالبًا تكون هذه المهنة متوارثة عبر الاجيال. ويتم تنقالها والحفاظ عليها، وكذلك الحفاظ على أساليب العمل، وجودته ودقته. فيعلم الأب أبنائه ويتوارثونها فيما بينهم، فيحرص الصائغ على بناء سمعة طيبة ومستدامة له وللأجيال من بعده. فبعض النساء عندما تخطب تشرط على العريس صائغ محدد معروف بجودة صياغته للحلي. ليجلب منه بعض الانواع التي تكون مع المهر المقدم للعروس.

اقتصر هذا المقال على تعريف عام للحلي التقليدية في المملكة العربية السعودية وأهميتها وهويتها الثقافية. أما عالم الحلي فهو أوسع من أن يُختصر في مقال واحد، إذ تتعدد أنواعها وأسماؤها ودلالاتها وأسباب ارتدائها من منطقة إلى أخرى. لذلك سيتبع هذا المقال مقالات أخرى أكثر تخصصًا تتناول هذه الجوانب بشيء من التفصيل.

المراجع

كتاب رجال الطيب ومدرجات خضراء في المملكة العربية السعودية لتيري موجيه 1441هـ

رسالة ماجستير بعنوان الملابس التقليدية للنساء في مكة المكرمة أساليبها وتطريزها 1993م . ليلى عبد الغفار فدا.

رسالة ماجستير بعنوان: الأزياء التقليدية في محافظة الليث والاستفادة منها في إنتاج ملابس سياحية 2025. فاطمه عبدالله المجايشي

زيارة ميدانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة عام 2025

زيارة ميدانية لمتحف عبدالرؤوف خليل بجدة

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *